google.com, pub-7639259738924535, DIRECT, f08c47fec0942fa0 اساليب المشركين فى محاربة الدعوة
recent
أخبار ساخنة

اساليب المشركين فى محاربة الدعوة


اساليب المشركين فى محاربة الدعوة

استكمالا لحلقات السيرة النبوية ففى الحلقة الخامسة عشر نتحدث فيها على اساليب المشركين لمواجهة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث انه فى الحلقة السابقة تحدثنا عن الجهر بالدعوة و اعتراضات المشركين على الدعوة .

و فى هذة الحلقة نوضح كيف كانت اساليب المشركين فى محاربة الدعوة و كيف كان تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم فى هذة المواقف .

محتوى الموضوع :ـ 

اولاً : محاولة ابعاد ابى طالب عن مناصرة و حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم

ثانياً : محاولة تشوية دعوة الرسول صلى الله عليه و سلم

ثالثاً : تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم للاذى 

رابعاً : تعرض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للاذى و التعذيب 

خامساً : كان اسلوب المفاوضات من الاساليب التى استخدمها المشركون فى محاربة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم

سادساً : اسلوب المجادلة و محاولة التعجيز

سابعا : دور اليهود فى العهد المكى و استعانة مشركى مكة بهم 

ثامنا : الحصار الاقتصادى و الاجتماعى فى آخر السابع من البعثة 


اساليب المشركين فى محاربة الدعوة


اولاً : محاولة ابعاد ابى طالب عن مناصرة و حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم

كان ابى طالب يربط مصيره بمصير ابن اخيه محمد صلى الله عليه و سلم و لكون ابى طالب زعيم بنى هاشم فضم بنى هاشم و بنى المطلب اليه فى حلف واحد تأييداً لرسول الله سواء كانوا مسلمين او مشركين فأجار ابى طالب و ساعد ابن اخيه ، فهذه كانت من الاعراف الجاهلية و التقاليد العربية و هى إجارة القريب .

فقد كان موقف ابى طالب فى حماية النبى صلى الله عليه و سلم و الدفاع عنه نصرا عظيما و قد استفاد النبى صلى الله عليه و سلم من العرف القبلى فتمتع بحماية العشيرة و أعطى حرية التحرك و التفكير و مُنع من اى اعتداء يقع عليه و هذا يدل على فهم النبى صلى الله عليه و سلم للواقع الذى يتحرك فيه و الاستفادة من الأعراف و التقاليد لخدمة دين الله .

 

ثانياً : محاولة تشوية دعوة الرسول صلى الله عليه و سلم

نظمت قريش حرباً لتشوية دعوة الرسول قادها الوليد بن المغيرة ، اجتمع الوليد بن المغيرة مع قومه حين اقترب موسم الحج و طلب منهم ان يجتمعوا على رأى واحد عن الرسول صلى الله عليه و سلم  قبل ان يحضر العرب موسم الحج .

و عندما فكروا اقترحوا ان الرسول صلى الله عليه و سلم كاهن و لكن مع التفكير يرونه ليس بكاهن فليس لدى الرسول صلى الله عليه و سلم زمزمة الكاهن اى الكلام الخفى الذى يقوله الكاهن فكلامه واضح .

ثم اقترحوا ان الرسول صلى الله عليه وسلم مجنون و لكن مع التفكير يرونه ليس بمجنون فليس لدى الرسول صلى الله عليه وسلم وسوسة الجنون فهو عاقل ثابت متزن صادق أمين .

ثم اقترحوا ان الرسول صلى الله عليه و سلم شاعر و لكن كلامه ليس شعر .

ثم اقترحوا ان الرسول صلى الله عليه و سلم ساحر و لكن ايضا ليس بساحر فليس لدى الرسول صلى الله عليه و سلم ما يقوم به الساحر من نفث او عقد .

فعندما احتاروا فى وصف النبى ، سألوا الوليد بن المغيرة بماذا نقول فى رسول الله ؟

فقال الوليد بن المغيرة : " إن لقوله لحلاوة و إن أصله لعذق و إن فرعه لجناة "

فكان ذلك اعتراف من الوليد بن المغيرة بأن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم حلو و اصله نخل و فرعه الثمر و لو تم وصفه بانه شاعر او ساحر او كاهن او مجنون فيكون هذا الكلام باطلاً .

فنلاحظ ان الوليد بن المغيرة كبير قريش قد تأثر بالقرآن و رق له و اعترف بعظمته .

و لكن عندما فكروا و صلوا الى اقرب القول : انه ساحر يفرق بين المرء و بين ابيه و بين المرء و اخيه و بين المرء و زوجه و بين المرء و عشيرته .

 

ويتضح من هذة القصة :

ـ ان الحرب كانت حرباً نفسية مخططة ضد الرسول صلى الله عليه وسلم لافقاده الثقة فى نفسه و الثقة فى كلامه .

و كان تخططيهم يتمثل فى : ـ اختيار الوقت المناسب فالمشركين اختاروا وقت تجمع الناس فى موسم الحج ، ـ اتفقوا مع بعض على عدم التناقض فيما بينهم فى الكلام لتكون حملتهم المضادة منظمة ، ـ اختيار المكان المناسب حتى تصل جميع الوفود القادمة الى مكة .

و لكن هذة الحرب النفسية : لم تستطع ان تحاصر دعوة رسول الله صلى الله عليه و سلم بل استطاع محمد صلى الله عليه و سلم ان يخترق حصار الأعداء .

فأنه كان الرسول بليغاً فى التأثير حيث يؤثر فى الناس بهيئته و سمته ووقاره قبل ان يتكلم ثم اذا تحدث اسر سامعيه بمنطقه البليغ المتمثل فى العقل السليم و العاطفة الجياشة بالحب و الصفاء و النية الخالصة فى هداية الامة بوحى من الله تعالى .

و من أبرز الناس الذى اثر فيهم الرسول صلى الله عليه و سلم :ـ

أـ اسلام ضماد الازدى رضى الله عنه :

كان ضماد من أزد شنوءة و كان يعالج الناس من الجنون ، و قد وفد الى مكة و تأثر بكلام المشركين عن الرسول على انه مجنون ، فذهب ضماد الى الرسول صلى الله عليه و سلم ليرقيه و يعالجه من الجنون .

و عندما عرض ضماد على رسول الله صلى الله عليه و سلم معالجته من مرض الجنون .

و هذا موقف يثير الغضب و لكن رسول الله استقبل الامر بهدوء و صبر و هذا جعل ضماد معجباً برسول الله صلى الله عليه و سلم و يكن له الاحترام و الادب .

و كان رد رسول الله صلى الله عليه و سلم فى منهى البلاغة و الفصاحة .

قال له االرسول صلى الله عليه و سلم : " إن الحمد لله نحمده ، و نستعينه ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلا هادى له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمداً عبده و رسوله ، أما بعد ... "

فكانت هذة المقدمة التى بدأ بها الرسول صلى الله عليه  وسلم كلامه و التى بها تعظيم الله و تمجيده و صرف العبادة له سبحانه .

ـ فتأثر ضماد بفصاحة رسول الله و بقوة بيانه لان حديث الرسول انبعث من قلب ملىء ايمانا و يقينا و حكمة فأصبح حديثه يصل الى القلوب و يجذبها الى الايمان .

ـ نجد الرسول صلى الله عليه و سلم فى حديثه مع ضماد استخدم الرسول وسائل تربوية مثل التأنى فى الحديث ، اسلوب الحوار ، التوجيه المباشر ، الصبر ، التشجيع على الاكثار من الخيرات .

ـ و عندما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم صدق ايمان ضماد و حمايته للاسلام و قوة اقتناعه به فدفعه ذلك الى اخذ البيعه منه لقومه "الازد شنوءة " .

ب ـ اسلام عمرو بن عَبسه رضى الله عنه :ـ

كان عمرو بن عَبسه من الحنفاء المنكرين لعبادة غير الله تعالى فى الجاهلية كانت الحروب النفسية و الاعلامية التى شنتها قريش على رسول الله صلى الله عليه و سلم سبب فى تتبع عمرو بن عبسة لاخبار الرسول و مقابلته شخصيا و ذلك للسؤال عن رسالته و التى تقوم على ركيزتين و هما صلة الارحام و كسر الاوثان و الدعوة للتوحيد و انه فى رسالته لا يوجد فرق بين حر و عبد .

و هذا جعل عمرو بن عبسه يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم على الفور .

فطلب الرسول من عمرو بن عبسة الرجوع الى قومه و عندما يسمع عنه انه ظهر يأتى له و كان ذلك فى المدينة المنورة.

فكان الرسول صلى الله عليه وسلم لديه الحرص على امان صحابته و توفير الجو الآمن و السير بهم الى بر الامان و ابعادهم عن التعرض للمضايقات .

ج ـ اسلام الحصين والد عمران رضى الله عنه :

هنا الرسول صلى الله عليه وسلم استخدم اسلوب الحوار مع الحصين رضى الله عنه لغرس معانى التوحيد فى نفسه و إزالة العقائد الباطلة التى كان يعتقدها .

و هذا الحوار نتج عنه اسلام الحصين والد عمران و ذلك لسلامة فطرته و حسن استعداده من ناحية و قوة حجة الرسول و سلامة منطقه .

دـ اسلام ابى ذر :ـ

كان ابى ذر منكر لحال الجاهلية و يأبى عبادة الاصنام و ينكر شرك الله و كان يصلى لله قبل اسلامه بثلاث سنوات و لما سمع بالنبى قدم الى مكة .

و كان ابو ذر يتريث و يتأنى فى الحصول على المعلومة عن رسول الله حيث انه لو سأل عنه قد يتعرض للاذى و الطرد و يخسر الوصول الى هدفه .

فرآهه على رضى الله عنه و سأله عن أمره و سبب مجيئه الى مكة ، و لكن ابو ذر لم يخبره بالرغم من انه استضافه ثلاثة ايام امعانا فى الحذر و اشترط عليه قبل ان يخبره ان يكتم عنه سره و فى الوقت ذاته ان يرشده فهذا غاية فى الاحتياط وتم ما اراده .

ـ و اتفق على رضى الله عنه  مع ابو ذران يتبعه للوصول للرسول وتم الاتفاق فيما بينهم على اشارة او حركة معينة ، كأنه يصلح نعله او كأنه يريق الماء و ذلك اذا رأى على رضى الله عنه من يتبعهما او يراقبهما فهذة تغطية امنية لتحركهم بالاضافة الى ان ابو ذر كان يسير على مسافة من على و ذلك تحسباَ لكل شىء مفاجىء قد يحدث اثناء التحرك .

ـ و بعد مقابلة ابو ذر للرسول صلى الله عليه وسلم و عرض الاسلام عليه  ، فقد أسلم ابو ذر على الفور و ذلك يرجع لصدقه فى البحث عن الحق و رجاحة عقله و قوة فهمه .

ـ حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على سلامة اصحابه حيث نصح ابو ذر بالرجوع الى اهله و كتمان امره حتى يظهره الله .

ـ فكان اسلام ضماد الازدى و عمرو بن عبسه و ابو ذر الغفارى و حصين والد عمران بن الحصين اكبر دليل على فشل الحملات النفسية التى شنتها قريش ضد رسول الله .


ثالثاً : تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم للاذى 

لقد لقى النبى صلى الله عليه وسلم من سفهاء قريش أذى كثيرا فكانوا يستهزؤن بالنبى اذا مر بمجالسهم .

و كان الامر لم يقتصر على السخرية و الاستهزاء و الايذاء النفسى بل تعداه الى الايذاء البدنى .

لقد واجه الرسول صلى الله عليه و سلم من الفتن و الأذى و المحن ما لا يخطر على بال فى مواقف متعددة وقد صبر على ما اصابه اشفاقا على قومه ان يصبيهم مثل ما اصاب الامم السابقة من العذاب ، فما وهن لما اصابه فى سبيل الله بل صبر و احتسب حتى لقى ربه .


رابعاً : تعرض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للاذى و التعذيب 

ما لاقاه ابو بكر الصديق و بلال و عمار بن ياسر و مصعب بن عمير و سعد بن ابى وقاص و خباب بن الأرت و عبد الله بن مسعود و خالد بن سعيد بن العاص و عثمان بن مظعون .

كان المسلمون يرغبون فى الدفاع عن انفسهم و لكن الرسول صلى الله عليه وسلم مان يرفض القتال فى مكة و ذلك كان للرسول حكمة فى الكف عن القتال فى مكة و هى حمايته لرسالته و لاصحابه و اهتمامه بالبناء الداخلى  .

فكانت اسباب الرسول صلى الله عليه وسلم فى الكف عن القتال فى مكة :

ـ ان الفترة المكية كانت فترة تربية و اعداد ومن هذه الامور تربية الفرد على الصبر و ذلك ليتجرد من ذاته فلا يندفع لأول مؤثر و من ثم يتم الاعتدال فى طبيعته و حركته .

ـ الدعوة السلمية أشد أثرا فى بيئة قريش ذات الشرف و التى قد يدفعها القتل معها الى زيادة العناد و نشأة ثارات دموية جديدة .

ـ اجتنابا لانشاء معركة داخل كل بيت .

ـ النخوة العربية فى بيئة قبلية من عادتها ان تثور للمظلوم الذى يحتمل الاذى و خاصة على كرام الناس فيهم .

ـ الفترة المكية و التى كانت 13 عاما كلها تربية و اعداد و غرس لمفاهيم لا اله الا الله و لذلك كان من المهم عدم الاستعجال و استباق الزمن ، فالعقيدة تحتاج الى غرس بالرعاية و العناية و المداومة .

ـ فكانت تربية الرسول لاصحابه بضبط النفس و التحلى بالصبر و توجيههم نحو توثيق الصلة بالله و التقرب اليه بالعبادة و ذلك بقيام الليل و الدوام على الذكر و التوكل على الله فى جميع الامور و ضرورة الصبر و مع الصبر الاستغفار بعد الاعمال الصالحة .

و هذة الامور كلها لتربيتهم على المجاهدة و تحريرهم من الخضوع لأهواء النفس .

ــــ اثر القرآن الكريم فى رفع معنويات الصحابة :ـ

كان للقرآن الكريم اثرعظيم فى رفع معنويات المؤمنين من جانب و توعد الكفار بالعذاب من جانب آخر

فقد كان دفاع القرآن الكريم عن الصحابة يتمثل فى نقطتين :

الاولى :حث الرسول صلى الله عليه وسلم على رعايتهم و حسن مجالستهم و استقابلهم و معاتبته على بعض المواقف التى ترك فيها بعض الصحابة لانشغاله بأمر الدعوة .

الثانية : التخفيف عن الصحابة بضرب الامثلة و القصص لهم من الامم السابقة و كيف استقبلوا من قومهم الاذى و العذاب ، و ذلك ليصبروا على ما يلاقون ، و ايضا بمدح بعض تصرفاتهم ووعدهم بالثواب و النعيم فى الجنة و كذلك بوعدهم ان اعدائهم سيذوقوا العذاب كما الحقوا بهم من اذى و تعذيب .


خامساً : كان اسلوب المفاوضات من الاساليب التى استخدمها المشركون فى محاربة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم

و من هذة المفاوضات :

جاء عتبة بن ربيعة و قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم : يا محمد انت خير ام عبد المطلب ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم .

قال عتبة : فإن كنت تزعم ان هؤلاء خير منك فقد عبدوا الالهة التى تعيب عليها و ترفضها ، و ان كنت تزعم انك خير منهم فانت فرقت بين قومنا و شتت امرنا .

ثم قال له عتبة : ان كنت تحتاج لشىء مثل المال فلنجمع لك المال حتى تكون اغنى رجل ، و ان كنت تحتاج لنساء قريش فلنزوجك عشرا .

فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " فرغت ؟" .

قال : نعم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حم ، تنزيل من الرحمن الرحيم ، كتب فصلت ءايته قراءنا عربيا لقوم يعلمون "  سورة فصلت .

فقال عتبة لقومه عندما رجع اليهم : انى قد سمعت قولا ما هو بالشعر و لا بالسحر و لا بالكهانة و طلب من قومه اعتزال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

و الدروس المستفادة من هذة القصة :ـ

ـ ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدخل معركة جانبية حول العروض التى قدمها عتبة فترك الاتهامات و ذلك لهدف ابعد فكان صبور جداً و ترك عتبة يعرض كل ما عنده و قال " أفرغت يا ابا الوليد ؟ فقال نعم .

ـ كان جواب رسول الله حاسما و اختياره لهذة الآيات دليل حكمته و كانت هذة الايات تتناول قضايا رئيسية :

إن القرآن تنزيل من الله ، بيان موقف الكافرين و اعراضهم ، بيان مهمة الرسول و انه بشر ، بيان الخالق انه واحد و هو الله و انه خالق السموات و الارض ، بيان اخبار الامم السابقة و ما اصابها و انذار قريش صاعقة مثل صاعقة عاد و ثمود .

ـ تعلم الصحابة من الرسول فى هذا الموقف الصبر و رحابة الصدر لانه استمع لكلام عتبة بن ربيعة فى قوله انه ساحر او كاهن ، فقد اعرض الرسول عن هذا الكلام حتى لا يصرفه مثل هذا الكلام عن دعوته و رسالته ، فقد كانت كل كلمة تصدر من سيد الخلق مبدأ يحتذى به و كل تصرف من الرسول خلقا يتبع و يتأسى به .

ـ و بعد محاولة عتبة بن المغيرة بعثوا المشركون الاسود بن عبد المطلب و الوليد بن المغيرة و أمية بن خلف و العاص بن وائل للرسول صلى الله عليه و سلم يطلبوا منه انهم يعبدون ما يعبد و ان الرسول يعبد ما يعبدون فاذا كان الذى تعبده خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه و ان كان ما نعبد مما تعبد كنت قد اخذت بحظك منه .

فنزلت فى ذلك سورة الكافرون .

و لقد بينت سورة الكافرون ان طريق الحق واحد لا عوج فيه حيث ان العبادة الخالصة لله وحده رب العالمين فلا لقاء بين الحق و الباطل و لا اجتماع بين النور و الظلام .

ـ و جاء بعد ذلك وفد آخر يتكون من عبد الله بن ابى اميه و الوليد بن المغيرة و مكرز بن حفص و عمرو بن عبد الله بن ابى قيس و العاص بن عامر جاء ليقدم عرضا آخر للتنازل عن بعض ما فى القرآن فطلبوا من النبى ان ينزع من القرآن ما يغيظهم من ذم آلهتهم .

فأنزل الله جواب حاسم فى سورة يونس ، قال تعالى " و إذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرءان غير هذا او بدله قل ما يكون لى ان ابدله من تلقاء نفسى إن أتبع الا ما يوحى الى انى اخاف ان عصيت ربى عذاب يوم عظيم " .

ـ و هذة الوفود و المفاوضات تبين مدى الفشل الذى اصاب المشركين فى عدم حصولها على التنازل الكلى عن الاسلام الامر الذى جعلها تلجأ الى طلب الحصول على شىء من التنازل و هذا يدل على تدرجهم فى التنازل من الاكبر الى الاصغر ، كما انهم كانوا يغيرون الاشخاص المتفاوضين ، فالذين تفاوضوا مع الرسول فى المرة الاولى غير الذين تفاوضوا معه فى المرة الثانية .

و لكن لا تنازل عن الاسلام ، فالاسلام دعوة ربانية و لا مجال فيها للمساومة اطلاقا مهما كانت الاسباب و الدوافع و المبررات .


سادساً : اسلوب المجادلة و محاولة التعجيز

كان النبى قد اقام الحجج و البراهين و الادلة على صحة دعوته و كان صلى الله عليه وسلم يتقن اختيار الاوقات و انتهاز الفرص و المناسبات و يقوى على الرد على الشبهات مهما كان نوعها و قد استخدم فى مجادلته مع الكفار اساليب كثيرة .

استنبطها من كتاب الله تعالى فى اقامة الحجة العقلية و استخدام التفكير و التأمل و من الاساليب التى استخدمها الرسول صلى الله عليه وسلم مع كفار مكة :

ـ اسلوب المقارنة :

و ذلك يعرض أمرين : أحدهما هو الخير المطلوب الترغيب فيه و الامر الآخر هو الشر المطلوب الترهيب منه و ذلك للتفكير فى كلا الامرين و ينتج عن المقارنة الوصول الى تفضيل الخير و اتباعه .

قال تعالى " أو من كان ميتا فأحييناه و جعلنا له نورا يمشى به فى الناس كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون " سورة الانعام .

فهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذى كان ميتاً اى فى الضلاله هالكاً حائرا فأحياه الله ، أى أحيا قلبهبالايمان و هداه له ووفقه لاتباع رسله " .

ـ أسلوب التقرير :

و هو اسلوب يجعل المرء بعد التفكير بالعقل يصل الى الاقرار بالمطلوب الذى هو مضمون الدعوة قال تعالى :ـ " أم خلقوا من غير شىء ام هم الخالقون " سورة الطور

أى أوجدوا من غير موجد ؟ أم هم أوجدوا أنفسهم ؟

اى لا هذا و لا هذا ، بل الله هو الذى خلقهم و أنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئاً مذكوراً .

و هذة الاية فى غاية القوة من حيث الحجة العقلية .

ـ أسلوب الامرار و الابطال :

هو اسلوب قوى فى افحام المعاندين و ذلك بعد الاعتراض على حججهم الباطلة منعا للجدل و النزاع وصولا الى الحجة القاطعة التى تبطل حججهم .

فكان المشركين طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم مطالب الغرض منها التعجيز مثل : ان يفجر لهم من الارض ينبوعا ، او يسقط السماء قطعا أو ينزل كتاب من السماء يقرؤونه .

فكانت اجابة النبى صلى الله عليه وسلم :" ما بهذا بعثت اليكم انما جئتكم من الله بما بعثنى به و قد بلغتكم ما ارسلت به اليكم ، فإن تقبلوه فهو حظكم فى الدنيا و الآخرة و إن تردوه على أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بينى و بينكم "

و انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اهله حزينا لما طمع فيه من قومه حين دعوه و لكن الحكمة من انهم لم يجابوا لما طالبوا لأنهم لم يسألوا جاديين انما سألوا مستهزئيين و قد علم الحق سبحانه انهم لو شاهدوا ما طلبوا لما آمنوا و لظلوا فى ضلالهم .

و لهذا كانت الحكمة الالهية و الرحمة الربانية الا يجابوا الى ما سألوا لان سنته سبحانه انه اذا طلب قوم آيات فأجيبوا ثم لم يأمنوا عذبهم عذاب الاستئصال كما فعل بعاد و ثمود و قوم فرعون .

و ليس أدل على ان القوم كانوا متعنتين و معوقين من ان عندهم القرآن و هو معجزة و آية الآيات .


سابعا : دور اليهود فى العهد المكى و استعانة مشركى مكة بهم 

تحدث القرآن الكريم عن بنى اسرائيل طويلا فى سور كثيرة ( خمسين سورة فى المرحلة المكية ) و فى المرحلة المدنية كان دور اليهود كبيرا فى محاولة اطفاء نور الله و القضاء على دعوة الاسلام و على حياة رسول الله .

ـ فعندما وجدت قريش نفسها عاجزة امام دعوة الحق فبعثت النضر بن الحارث و عقبة بن ابى معيط الى أحبار اليهود بالمدينة ليسألوهم عن محمد ، فإنهم أهل الكتاب الاول و عندهم علم ما ليس عندنا من علم الانبياء و بالفعل سألا أحبار اليهود عن رسول الله و قالت لهم احبار اليهودأسألوا رسول الله عن ثلاث فإن أخبركم بهن فهو نبى مرسل .

أسألوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الاول ، ما كان أمرهم ؟ فانهم كان لهم حديث عجيب ، و اسألوه عن رجل طواف بلغ مشارق الارض و مغاربها ما كان نبؤه ؟ و اسألوه عن الروح ، ما هى ؟ .

و بالفعل سألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك و قال لهم أخبركم غدا عما سألتم عنه و انصرفوا عنه فمكث رسول الله  خمسة عشر ليلة لا يأتيه جبريل حتى أحزن ذلك رسول الله حتى جاء جبريل عليه السلام من الله عز وجل بسورة اصحاب الكهف و كانت سورة الكهف قد احتوت على الاجابة لاسئلتهم .

 

ثامنا : الحصار الاقتصادى و الاجتماعى فى آخر السابع من البعثة 

ازداد ايذاء المشركين من قريش امام صبر الرسول صلى الله عليه وسلم و المسلمين على الاذى و اصرارهم على الدعوة الى الله و بلوغ الاذى قمته فى الحصار المادى و المعنوى الذى ضربته قريش ظلماً و عدواناً على النبى و أصحابه .

أجمعت قريش فى مكرها ان يقتلوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما رأى ذلك ابو طالب فجمع بنى عبد المطلب و امرهم ان يدخلوا رسول الله فى شعبهم و يمنعوه ممن أراد  قتله.

 و لما عرفت قريش بأن القوم قد منعوا رسول الله فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم و لا يبايعوهم و لا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه و سلم للقتل و كتبوا فى مكرهم صحيفة و عهود و مواثيق و علقوا الصحيفة فى جوف الكعبة توكيدا على انفسهم .

فلبث بنو هاشم فى شعبهم ثلاث سنين و اشتد عليهم البلاء و الجهد و قطعوا عنهم الاسواق و اشتد الحصار على الصحابة حتى اضطروا الى اكل ورق الشجر .

فصبروا على هذا الظلم و الاذى ثلاث سنين .

أثبتت الاحداث عظمة المؤمنين فى التزامهم بكلام الرسول و بعدهم عن التصرفات الطائشة .

كانت الدعوة الاسلامية تحقق انتصارات رائعة فى الحبشة و فى نجران و فى أزد شنوءة و فى دوس و فى غفار .

و كانت هذة السنوات الثلاث للجيل الرائد كانت اساس قوى فى البناء و التربية لانهم تحملوا الآم الجوع و الخوف و الصبر على الابتلاء و ضبط الاعصاب و السيطرة على العواطف .

فالحصار الاقتصادى و الاجتماعى كان سببا فى خدمة الدعوة بين قبائل العرب فقد ذاع الخبر فى كل القائل العربية من خلال موسم الحج و لفت انظار جميع الجزيرة العربية الى هذة الدعوة التى يتحمل صاحبها الجوع و العطش و العزلة لكل هذا الوقت اثار ذلك فى نفوسهم ان هذة الدعوة حق و لولا ذلك لما تحمل صاحب الرسالة اصحابه كل هذا الاذى و العذاب .

كان لوقوف بنى هاشم و بنى المطلب مع رسول الله و تحملهم معه الحصار الاقتصادى و الاجتماعى .

بعد مرور ثلاثة  سنين فى الحصار الاقتصادى الهم الله سبحانه و تعالى اناساً من اشراف قريش و كان هشام بن عمرو الهاشمى و زهير بن ابى امية المخزومى و المطعم بن عدى و ابى البخترى بن هشام و زمعة بن الاسود بن المطلب بن اسد اجتمعوا و اجمعوا امرهم و تعاقدوا على نقض الصحيفة و عندما ذهبوا للمشركين قالوا لهم نحن براء من هذة الصحيفة الظالمة و عندما اراد المطعم بن عدى شقها وجد الأرضة قد اكلتها  الا " باسمك اللهم " .

google-playkhamsatmostaqltradent